الشيخ محمد صنقور علي البحراني

344

المعجم الأصولى

تأثيره عن المفيض الأول ، فالنار مستقلة في تأثيرها للإحراق كما انّ النور مستقل في تأثيره للإنارة ، وهكذا الإنسان فإنّه مستقل في تأثيره للأفعال الصادرة عنه . ومن هنا قالوا : لو افترض انعدام اللّه - تعالى عما يقولون علوا كبيرا - لما أدى ذلك إلى اختلال عالم الوجود ، إذ انّ اللّه جلّ وعلا لم يكن سوى علة الايجاد والمفيض للعلة الأولى ، وأما البقاء والتأثير في عالم الممكنات فهو مستقل عنه . ومن هنا عبّر عن هذا الفرقة بالمفوضة ، فهي وان أرادت بهذا المذهب التفصّي عن محذور سلب العدل عن اللّه سبحانه وتعالى إلّا انها وقعت في محذور آخر لا يقلّ شأنا عن المحذور الأول حيث سلبت عن اللّه جلّ وعلا سلطنته المطلقة عن مملكته . وفي مقابل هاتين النظريتين ذهب الامامية - رفع اللّه شأنهم - إلى نظرية الأمر بين الأمرين ، وهي مستفادة من أئمتهم المعصومين عليهم السّلام ، وهي برزخ بين النظريتين ، ومعها يتحفّظ على الإيمان بعدالة اللّه جلّ وعلا وعلى سلطنته المطلقة . وحاصل هذه النظرية على ما أفاده السيد الخوئي رحمه اللّه ان صدور الفعل عن العباد منوط بأمرين : الأمر الأول : ان يكون العبد واجدا للحياة والعلم والقدرة والإرادة وما إلى ذلك ، وكلّ ذلك مفاض من قبل اللّه جلّ وعلا ، وهذه الإفاضة لا تختص بالإحداث والايجاد فحسب ، بل هي فيض بعد فيض ، فالفقر الذاتي للإنسان - ولسائر الممكنات - يستوجب احتياجه إلى مفيض الوجود جلّ وعلا حدوثا واستمرارا . وبتعبير آخر : انّ وجود الإنسان بالنسبة لوجود اللّه جلّ وعلا وجود ربطي تعلّقي ، أي انّ وجوده عين الربط وعين التعلّق لا أنهما شيئان متغايران